بعد اثنين وستين عاما من الزواج حكايات علي ابو الدهب

لمحة نيوز

عشت أنا وصلاح 62 سنة مع بعض، وكنت فاكرة إني فاهمة كل تفصيلة في الراجل اللي اتجوزته. لكن في جنازته، قربت مني بنت عمري ما شوفتها، سلمتني ظرف، واختفت قبل ما أنطق بكلمة. الظرف ده كان بداية حكاية صلاح ملقاش الشجاعة إنه يحكيها لي بنفسه.
أنا اسمي روز، وعلى مدار ستين سنة كان صلاح هو السند والوجود الحقيقي في حياتي. ولادي كانوا واقفين جنبي، سانداهم وساندة عليهم وإحنا بنتحرك ببطء في مراسم الدفن.
الناس بدأت تمشي لما لمحتها.. بنت عندها 12 أو 13 سنة، غريبة تماماً عن العيلة والصحاب. مشيت وسط الزحمة وجت عندي بالظبط.
سألتني حضرتك زوجة أستاذ صلاح؟
رديت أيوه يا بنتي، أنا.
مدت إيدها بظرف أبيض بسيط وقالت أستاذ صلاح طلب مني أديكي ده النهاردة، في جنازته.. قالي لازم أستنى لليوم ده بالظبط.
وقبل ما أسألها إسمها إيه أو تعرفه منين، لفت وجريت برا الجامع. ابني لمس كتفي براحة ماما؟ إنتي كويسة؟
قلت له أنا كويسة.. متقلقش.
خبّيت الظرف في شنطتي ومطقتش بكلمة تانية.
بالليل، بعد ما البيت فِضي وسكن الهدوء اللي بييجي بعد العزا، قعدت على ترابيزة المطبخ وفتحت الظرف أخيراً.
جواه رسالة بخط إيده اللي ميتنسيش، ومفتاح نحاس صغير رنّ على الترابيزة أول ما قلبته.
فتحت الرسالة..
حبيبتي.. كان لازم أقولك من زمان، بس ملقيتش الشجاعة. من 65 سنة، افتكرت إني دفنت السر ده للأبد، بس فضل مطاردني طول العمر. إنتي تستحقي تعرفي الحقيقة.. المفتاح ده بيفتح جراج رقم 122 في العنوان المكتوب تحت. روحي لما تكوني مستعدة.. كل حاجة هناك.
 
قريت الكلام مرتين.. قلت لنفسي إني مش مستعدة، بس رغم كده لبست عبايتي وطلبت تاكسي وطلعت على العنوان.
الجراج كان في أطراف القاهرة، في منطقة كلها مخازن قديمة وأبواب صاج مصدية شكلها متغيرش من السبعينات. لقيت رقم 122، حطيت المفتاح، ورفعت الباب لفوق.
ريحة الورق القديم وخشب الأرز المحبوس هجمت عليا فوراً. وفي نص الأرض الخرسانة، كان فيه صندوق خشب ضخم متغطي بالتراب.
مسحت الغطا وفتحته..
كان جواه رسومات أطفال مربوطة بشرايط قديمة بهتانة، كروت معايدة متوجهة لصلاح، شهادات مدرسية، وعشرات الجوابات المحفوظة بعناية.
وكل جواب منهم كان بينتهي بنفس الإسم..
فايزة.
في قاع الصندوق، لقيت ملف قديم مهلهل. الورق اللي جواه كشف إن صلاح، من 65 سنة، شال مسؤولية ست شابة وبنتها الرضيعة بعد ما أبو البنت اختفى. كان بيدفع إيجار بيتهم، ومصاريف المدرسة، وبيرسل لهم مبلغ شهري لسنين طويلة.
كل جواب كتبته الست دي كان محافظ عليه وكأنه كنز.
في اللحظة دي، فكرة مرعبة خبطت في دماغي هل كان ل صلاح عيلة تانية؟
قعدت على أرضية الجراج الباردة وحطيت إيدي على بوقي وأنا بهمس بصدمة ليه يا صلاح؟ ليه عملت كده؟
فجأة سمعت صوت حركة برا..
وقفت، لقيت البنت اللي كانت في الجنازة واقفة عند المدخل ومعاها عجلة.
قالت بهدوء كنت عارفة إنك هتيجي هنا.
سألتها بذهول إنتي مشيتي ورايا؟
هزت راسها لما أستاذ صلاح إداني الظرف، قالي إن دي أهم حاجة هعملها في حياتي.
بصيت لملامحها بتركيز وسألتها إنتي اسمك إيه؟
ردت جنى.
ومامتك؟
فايزة.
الاسم رن في ودني وصداه وجع قلبي.. فايزة.
قلت للبنت بصوت مرعوش تقدري تاخديني ليها يا جنى؟
جنى ترددت لحظة، وبعدين حكت لي إن والدتها فايزة في المستشفى، محتاجة عملية قلب مفتوح صعبة ومصاريفها فوق طاقتهم بكتير. روحنا مع بعض فوراً.
كانت فايزة نايمة على سرير المستشفى، وشها شاحب والأجهزة حواليها في كل حتة.
جنى قالت لي بهدوء أستاذ صلاح كان بيزورنا من وقت للتاني، ويطمن علينا.
الدكتور أكد لي إن العملية لازم تتعمل فوراً بس تكلفتها خيالية. وأنا واقفة في طرقة المستشفى، أدركت إن صلاح كان عارف بالظبط إني هكتشف كل ده في الوقت المناسب.. وإنه كان بيعتمد على أصلي.
بعد يومين، رجعت المستشفى ومعايا شيك بمصاريف العملية كاملة. والحمد لله، العملية نجحت.
لما فايزة بدأت تفوق وتقدر تتكلم، حكت لي إن صلاح أنقذ حياتها وحياة والدتها من زمان قوي. وطلعت لي ألبوم صور قديم ومتهالك من شنطتها.
فتحت صفحة فيه.. وشوفت صورة لصلاح وهو شاب، واقف جنب بنت مراهقة شايلة طفلة رضيعة.
في اللحظة دي، نفسي انقطع.. والرؤية لفت بيا.
أنا عارفة البنت اللي في الصورة دي كويس قوي!
دي إجلال.. أختي الكبيرة اللي سابت البيت وإحنا صغيرين بعد خلاف كبير مع والدي، واختفت ومحدش عرف لها طريق من يومها. والطفلة اللي كانت بين إيديها في الصورة.. كانت فايزة.
رجعت البيت بليل، وفتحت مذكرات صلاح القديمة اللي كان شايلها في مكتبه. قعدت أدور لحد ما وصلت لليوم اللي قابله فيه من 65 سنة.
طلع إنه لقى أختي إجلال في حالة صعبة بعد ما اتخلت عنها عيلة جوزها وهي معاها رضيعة. في الأول مكنش يعرف هي مين، ولما عرف الحقيقة، قرر يساعدها في صمت.
صلاح كان عارف إن رجوعها في الوقت ده هيفتح جروح قديمة في عيلتي، وممكن يسبب مشاكل متتلمش.. فقرر يشيل الشيلة لوحده.
مكنش بيخوني.. كان بيحمينا. كان بيحمي سمعة أختي وبيصون عهدي من غير ما يوجع قلبي بماضي فات.
قفلت المذكرات وضميتها لصدر وأنا بعيط وبقول يا حبيبي يا صلاح.. شلت الحمل ده لوحدك كل السنين دي؟
تاني يوم زرت فايزة وجنى في المستشفى.
بصيت لفايزة وقلت لها والدموع في عيني إنتي مش غريبة يا بنتي.. إنتي بنت أختي.
وبصيت لجنى وقلت لها وإنتي حفيدة أختي.. يعني من دمي.
جنى رمت نفسها في حضني وفضلت تعيط. في اللحظة دي فهمت كل حاجة..
صلاح مكنش مخبي عني حياة تانية.. ده قضى عمره كله في صمت وهو بيحافظ على عيلتين وتماسكهم.
وفي النهاية، السر اللي خفاه سنين هو اللي رجعنا لبعض تاني.
الله يرحمك يا أبو العيال.. عشت راجل ومت أصيل.

تم نسخ الرابط