حماتي بتفتش في دولابي

لمحة نيوز

 

إنها كانت عارفة بالظبط إيه اللي عندي، وإيه اللي اختفى.

ولما فتحت الدولاب تاني يوم، لقيت ورقة صغيرة محطوطة بين الهدوم.

كانت مكتوبة بخط حماتي.

وفيها قائمة بأسامي حاجات…

مش حاجاتي أنا بس.

كان مكتوب جنب كل قطعة:

“دي لمين؟”

“اتجابِت بكام؟”

“لسه جديدة؟”

وفي آخر الورقة جملة واحدة:


وفي آخر الورقة جملة واحدة: «وكل اللي هنا هيروح للي يستحقه حقًا.»

قرأت الكلام وأنا يدي بترتعش، مش بس من الغصب، لكن من الصدمة اللي خلت دماغي تترنح. يعني هي مش بس بتسرق… دي كانت بتخطط من الأول. كل مرة تفتح الدولاب وتقلب الهدوم، مش بتتفرج ولا بتتعجب… كانت بتسجل، بتدون، بتختار اللي يعجبها من غير ما أحس. وجملتها اللي كنت أسمعها كل مرة: «إنتِ عندك لبس كتير أوي»… كانت في الحقيقة جملة تمهيد، كانت بتبرر لنفسها ولغيرها إن اللي بتاخده حق مشروع، لأنني «عندي كتير» فمش هأفقده.

وقفت لحظات أجمع أفكاري. الورقة في يدي، والكلام مكتوب بوضوح، بخطها اللي شفتة كتير قبل كده في رسايلها اللي بتبعتهلي. كل قطعة عندي كانت مدونة: اسمها، لونها، سعرها تقريبي، وحتى عدد المرات اللي لبستها! كاتبة جنب الفستان الأسود: «لبسته مرتين بس، زي الجديد، يصلح لسماح». والجاكت: «مش مستعملة كتير، هتليق عليها أكتر منها». والشنطة اللي كنت جايباها هدية لنفسي بمناسبة ترقيتي في الشغل: «سعرها غالي، وهي مش مقدرة قيمته، سماح هتفرح بيها».

سماح… بنتها اللي كانت أكبر من جوزي بسنتين، وعايشة مع أمها من بعد ما طلقها زوجها، وكل شوية تيجي تشتكي إن فلوسها مش تكفي، وإن حياتها صعبة. أنا كنت بترحمها، وكنت أقول لجوزي: «خليك بجانب أختك، ساعدها لو تقدر». ما كنتش أعرف إن رحمتي دي بتستخدمها ضدي، وإن حماتي شايفة إن كل خير معايا لازم يروح لبناتها، لأنني — في نظرها — «داخلة عليهم من برا» ومش من حقى أملك حاجة أحسن من اللي عند بناتها.

خرجت من الأوضة والورقة مش مفسوطة في يدي، لقيتهم قاعدين في الصالة، صوتهم عالي. جوزي بيقول: «يعني إيه يا ماما؟ يعني كنتي بتدخلي أوضتها وتاخدي حاجاتها من وراها؟ وبتقولي ليها إنها ضاعت؟» وهي بترد بصوت عالي مش عايزة تقتنع: «وأنا قلتلك يا وليدي! هي عندها كتير أوي، دولابها مليان لحد فوق، وسماح ملهاش حاجة تلبسها لما تخرج! إحنا أهلها، وحقنا ناخد من الفاضل عندها! هو أنا سرقت؟ أنا خدت حاجة مش محتاجاها هي!»

قلت بصوت واضح وصل لآخر الصالة: «الفاضل عندي يا ماما؟ وإنتِ عرفتي إنها فاضلة منين؟ من يوم ما جيتي وأنتِ بتدخلي أوضتي من غير استئذان، وتفتحي دولابي وتقلبّي في ملابسي، وتسجلي كل حاجة ورايا! شفتي القائمة دي؟ شفتي كيف بتعتبري كل حاجة ليكي؟ هو أنا مش دفعت تمنها من عرقي وتعبي؟ هو أنا مش بشتغل زيها وزي أكتر منها؟ ليه تحكمي عليا إن مش من حقي أملك حاجة؟ ليه تعاملي كأني غريبة ومش بنتك؟»

لفتت لي بسرعة وعينها بتلمع: «أه وأنا قولتها لك! إنتِ جاية من عيلة بسيطة، وحميدي — أبوها — الله يرحمه ما ترك لكم حاجة! وابني اتجوزك وفتح عليكي بيت، وكل اللي عندك منه! فاللي عندك أصله له، وحق لأخته ياخده! هي دي العدالة!»

هنا جوزي قام وقف، ووجهه كان أحمر من الغصب، وقال لكلامها بصرامة ما شفتهاش عليه قبل كده: «بطلّي الكلام الفاضي ده يا ماما! اللي عندها ده أغلبه من فلوسها هي، أنا عارف كويس! وهي بتصرف على البيت زيي، ومرتبها رايح في حاجاتنا وحاجاتها! وحتى لو كنت أنا اللي جايبلها كل حاجة… يبقى ده حقها، وهي حرة تتصرف فيه زي ما تشاء! مش من حق حد — حتى لو كنتِ أمي — يدخل أوضتها ويفتح دولابها ويسرق حاجاتها ويقول إنها حق! ده اسمه سرقة يا ماما، ومش لما بنتك محتاجة يبقى يبقى لها الحق تاخد حاجة حد تاني بلا إذنه!»

سكتت حماتي للحظة، كأنها مش مصدقة إن ابنها بيتكلم معاها كده. وبعدين صوتها نزل شوية وقالت بلهجة الباكي: «يعني يا وليدي؟ يعني أنا اللي غلطانة؟ أنا اللي ربيتك وكرمتك وآكلت من قوتي علشان تكبر… تيجي في الآخر تقولي لي سرقة؟ دي أختك، دمك ولحمك، وهي بتعاني! وانتما هنا عايشين مرتاحين، وعندك كل حاجة! قلبك ما وجعش عليّ وعليها؟»

قال جوزي بلهجة حازمة مش بتقبل نقاش: «قلبى بيوجعلي لما أشوفك بتعملي كده! لو سماح محتاجة حاجة، تعالي قولي لي وأنا أساعدها، أنا أخوها ومش هأردها! بس الطريقة دي غلط، ومش هتتكرر تاني! واللي خدته من حاجات زوجتي يرجع مكانه، ولو فيه حاجة اتلبست أو اتلفت أدفع تمنها من فلوسي!»

حملت حماتي عصاها وقامت وهي بتترمقني بنظرات ما تخلطش، وقالت قبل ما تخرج: «حسبي الله ونعم الوكيل. ربنا ينتقم من اللي فرقت بيني وبين ابني. هتجيبلك حاجاتك… بس اعرفي إنك كسبتي الحاجة وخسرتي القلوب. وربنا يستر عليكي.»

بعد ما مشيت، جلسنا أنا وجوزي في صمت طويل. هو كان حاسس بحرج، وأنا كنت حاسة بوجع أكبر من كلام. مش بس علشان حاجاتي راحت أو اتسرقت… لكن علشان اكتشفت إن نظرة الناس لي ولسنوات، وإن حماتي شايفة إن وجودي في حياتهم غصب عنهم، وإن كل ما أملك هو في الحقيقة ملك لهم لازم يرد. وإن كل ابتسامة كانت بتبدوها لي في السنين الفاتت كانت مجرد تمثيل، علشان تاخد بالها وتعمل جردها من غير ما أشك.

عدت يومين، وسماح جت ومعاها حاجاتي. كانت واقفة عند الباب وشها في الأرض، وقالت بصوت خافت: «سامحيني… ما كنتش أعرف إن ماما كاتبة كل ده. قالتلي إنك متبرعة بيها لي، وإنك مش محتاجاها. أنا… أنا آسفة.»

بصيتلها شوية، وشفت في عينها صدقًا غلبان. قلت لها: «الحاجة دي مش المشكلة يا سماح. المشكلة إن ماما تعتبر إن كل حاجة ليها حق تاخده. لو محتاجة حاجة في يوم، تعالي قولي لي وأنا هساعدك بكل قلبي. بس من غير سرقة ومن غير كلام ورا بعض. إحنا أهل، والأهل ما يخونوش بعض.»

دمعت عينها ومشيت. ورجعت لقيت جوزي مستنياني، وقال لي بصوت دافئ: «أنا آسف… آسف على كل حاجة حصلت. وأعدك إن ده مش هيتكرر تاني. من النهاردة باب بيتنا مفتوح لهم بس بحدود. واحترام خصوصيتك واجب، ولو على حساب أي حد.»

مرت الأيام، ورجعت حياتنا لطبيعتها شوية. بس شيء واحد اتغير: أنا كنت بقفل باب أوضتي بالمفتاح لما أخرج. وكنت بحط المفتاح في مكانه. وكنت عارفة إن مش كل اللي بيبتسم لنا هو معانا. وإن في ناس شايفة إن وجودنا غصب، وإن كل ما نملك هو حق لهم يجب أن يؤخذ.

وبعد شهر، جت حماتي زيارة. دخلت البيت، وسلمت عليا ببرود، وقعدت في الصالة. شويه وقامت تتحرك ناحية الأوضة زي ما كانت بتعمل دائمًا. لما وصلت للباب، لقيته مقفول. التفتت لي وقالت: «الباب مقفول ليه؟ ده بيت ابني، مش محتاجة تقفلي الأبواب.»

قلت لها بهدوء: «الأوضة بتاعتي يا ماما. وكل إنسان بيحب يبقى له مكان خاص بي، ومحد يدخله من غير إذنه. ده مش بيت ابنك بس… ده بيتي أنا كمان. وحقي أقفله لو حابّة.»

بصت لي طويلًا. شفت في عينها دهشة، وغصب، وشيء من الفهم كمان. أخيرًا قالت: «والله… كنتِ بتتعلمي.»

قلت بابتسامة هادية: «أتعلمت إن احترام الناس بيبدأ من احترام خصوصياتهم. وإني لو سكت مرة… هيتكرر الأمر مرات. وإن اللي شايف إن حاجاتي حاجاته… لازم يعرف إن لي كرامة وحقوق مش هتتنازل عنها.»

جلست بعدها شويه، وسألتني عن حاجات البيت العادية، وطلعت من غير ما تطلب تفتح الباب. وعرفت في تلك اللحظة إن المعركة الحقيقية مش كانت في الحاجات اللي اتسرقت… ولا في القائمة اللي كتبتها. المعركة كانت في إنني أثبت لنفسي ولها ولكل الناس إنني لست غريبة، ولست ناقصة، ولست ملكًا لأحد. وإن دولابي وقلبي وبيتي… مفتوح لمن يستأذن أولاً، ويحترم ثانيًا، ويحبني لثالثًا. ومن لا يحترم الحدود… فالباب مقفول، والمفتاح معي.

وبعد فترة، لقيت سماح جتني من غير مامتها، ومعاها علبة حلو. قالت لي: «أنا كلمت ماما كتير. قلتلها إن اللي عملته غلط. وإنك طيبة وما تستاهلش كده. هي مش بتتكلم معايا كتير بس… قلتلها إن الحق معاكي. وإن لو محتاجة حاجة أطلبها بأدب ومش أسرقها.»

ضميتها لصدري. قلت لها: «شكرًا يا سماح. اللي يهمني إننا نبقى أهل بمعنى الكلمة. نحب بعض، ونحترم بعض. وكل واحد ياخد حقه وما يطمع في حق غيره.»

ومن يومها وحياتي اتغيرت. حماتي بتجي زياراتها، بتسلم، بتقعد، بتتكلم… بس ما عادتش تقرب من باب أوضتي. وما عادتش تطلب تفتح دولابي. وما عادتش تقول لي جملتها المشهورة: «إنتِ عندك لبس كتير أوي». لأنها عرفت إن «الكتير» ده حقي. وإن حقى مش مفتوح للنهب والسلب تحت أي مسمى. وإن الكرامة أغلى من كل الملابس والذهب وكل حاجة في الدنيا.

وفي مرة، كنت قاعدة في الصالة وهي قاعدة قدامي، بصّت لي وقالت بصوت هادئ لم أسمعه منها من قبل: «إنتِ قوية يا بنتي. أقوى من ما توقعت.»

ابتسمت وقولت: «أنا مش قوية يا ماما… أنا بس عرفت قيمتي. واللي يعرف قيمته… ما حدش يقدر ياخد منه حاجة من غير إذنه.»

سكتت شويه وقالت: «أنا كنت فاكرة إنك ضعيفة. كنت فاكرة إنك هتسكتي وتقبلي بأي حاجة. سامحيني… ما كنتش أعرف إنك بنت أصول.»

قلت لها بكل دفء: «وأنا كمان سامحتك يا ماما. لإنك كنتِ فاكرة إنك بتعملي الخير لبناتك. بس الخير ما بييجيش بسرقة حقوق الغير. إحنا لو حبينا نساعد بعض… نساعد بقلوبنا وبفلوسنا وبمجهودنا… مش بسرقة ما في أيد بعض.»

من ذلك اليوم، اتغيرت معاملتها لي تمامًا. صارت تحترمني، وتسألني قبل ما تدخل أي مكان في بيتي، وتشاورني في أمورها. وعرفت إن العداوة والبغض والطمع بيتبدل لاحترام ومحبة لما نضع حدودنا بوضوح، ولما نعرف نوقف الناس عند حدها بكل أدب وثبات.

وأنا بقيت عايشة مطمئنة، بابي مقفول بمفتاحي، وقلبي مفتوح لمن يستاهل. وعرفت إن أجمل انتصار في الحياة مش إنك تربح المعركة… بل إنك تغير من نفسك ومن حولك لما تكون واثقة من حقك، ثابتة على موقفك، ومتسامحة مع من يعترف بخطئه. وإن اللي بيكتب قوائم ويسجل حاجات الغير… آخرته إما يندم ويتعلم… أو يبقى وحيدًا، لأن الناس كلها بتعرف في الآخر مين اللي معاها ومين اللي ضدها.

والقائمة اللي وجدتها في دولابي… احتفظت بيها. مش علشان أستخدمها ضدهم… بل علشان أتذكر دائمًا: إن كل ما تملك قد يتغير ويروح… لكن ثقتك بنفسك، وكرامتك، وحدودك اللي تضعها… هي اللي تبقى وتدوم مدى الحياة. وإذا ما حافظتي عليها… فلا دولاب مقفول ولا حرس ولا شيء يقدر يحميك. وإذا حافظتي عليها… فأنتِ في أمان، ولو كان كل الناس حواليك بيحاولوا يكسروا عليكِ بابك.

هذه قصتي… قصة دولاب مقفول، وقائمة سرية، وبداية احترام وحياة جديدة. وما أجملها من بداية لما تكون مبنية على حق وكرامة وحدود واضحة لا يُسمح لأحد بتجاوزها أبدًا.

تم نسخ الرابط