ربيت ولاد اخويا 15 سنه الكاتب علي ابو الدهب

لمحة نيوز

فجأة كده، لقيت نفسي بقيت أم لبنات أخويا.. من غير ترتيب، ومن غير ما أعرف إيه اللي هيحصل بكره. وفي الوقت اللي بدأت أحس فيه إن حياتي استقرت، الماضي رجع خبط على بابي بطريقة مستحيل أتجاهلها.
من 15 سنة، أخويا إدوين وقف قدام قبر مراته.. واختفى قبل ما التراب اللي عليها ينشف. لا حس ولا خبر، ولا حتى سلام.
ومن غير أي تفسير، ساب وراه تلات بنات زي الورد. وفجأة، لقيتهم قدام بابي مع أخصائية اجتماعية وشنطة هدوم واحدة، محشور فيها كل حاجتهم.
وقت ما جولي، كانت أعمارهم 3 و 5 و 8 سنين.
لحد النهاردة مش قادرة أنسى السكوت اللي كان مالي البيت أول ليلة.. سكوت تقيل قوي، من النوع اللي بيخنق ويطبق على الصدر.
دورا، الصغيرة، كانت كل شوية تسأل هي ماما هترجع البيت إمتى؟. أما جيني الكبيرة، فبطلت عياط تماماً بعد أول أسبوع.. وبطلت تتكلم في الموضوع خالص، كأنها خدت قرار بينها وبين نفسها إنها تقفل الصفحة دي.
وليرا بقى، اللي في النص، فضلت شهور رافضة تطلع هدومها من الشنطة.. كانت بتقول إنها مش عايزة تتعود على المكان زيادة عن اللزوم.
كنت بصبر نفسي وبقول إدوين هيرجع.. أكيد لازم يرجع.
كنت بقنع نفسي إن أكيد في حاجة قوية منعته، لأن مفيش بني آدم طبيعي يرمي لحمه ويمشي بعد ما يخسر مراته في حادثة فجأة.. الموضوع مكنش داخل عقلي.
وفضلت مستنية.
الأسابيع جابت شهور، والشهور جابت سنين.
ومفيش مكالمة واحدة، ولا رسالة، ولا أي أثر لإدوين.
وصلت لمرحلة عرفت فيها إني مش هينفع أفضل مستنية أكتر من كده.. فبطلت أستنى.
وقتها كنت خلاص بقيت الأم فعلياً؛ بحضر اللانش بوكس، بحضر حفلات المدرسة، وحفظت كل واحدة فيهم بتحب تاكل بيضها إزاي الصبح. بقيت أنا اللي بسهر جنبهم في تعبهم وكوابيسهم.
أنا اللي كنت بوقع على ورق المدرسة، وأنا اللي بروح اجتماعات أولياء الأمور.
كانوا بيجولي وأنا أول واحدة يحكولها عن أول وجع قلب من الحب، وأول شغلانة، وأول خطواتهم الحقيقية وهما بيكبروا وبيروحوا لمرحلة البلوغ.
وفي وقت ما، ومن غير ما أحس بلحظة معينة، مبقوش بنات أخويا.
بقوا بناتي أنا.. حتة مني.
لحد ما جه الأسبوع اللي فات.. وكل حاجة اتغيرت.
الباب خبط في وقت متأخر من العصر.. كنت خلاص مش هفتح لأني مكنتش مستنية حد.
أول ما فتحت، جسمي اتلجم مكاني.. عرفته من أول نظرة.
كان إدوين.
كان باين عليه إنه كبر قوي، وخس، ووشه تعبان ومرسوم عليه شقا السنين، كأن الدنيا نحتت فيه وكسرته.
بس هو.. بملامحه اللي محفورة في ذاكرتي.
البنات كانوا في المطبخ ورايا، بيناقروا في بعض على حاجة تافهة.. مخدوش بالهم منه، ومكانش ليهم أي رد فعل.
إدوين بص لي وهو مش عارف.. هل هرزع الباب في وشه؟ ولا هبدأ أصرخ وألم عليه الناس؟
15 سنة غياب.. ودي الكلمة اللي اختار يبدأ بيها!
رديت عليه بحدّة مالكش حق تقولها أصلاً، ولا كأن في حاجة حصلت.
هز راسه مرة واحدة، وكأنه كان متوقع ردي.. بس ماعتذرش، ولا شرح كان فين، ولا حتى استأذن يدخل.
بدل كل ده، مد إيده في جيب الجاكيت وطلع ظرف مقفول.
حطه في إيدي وقال بصوت واطي ماتفتحيهوش قدامهم.
بس كده.. حتى ماطلبش يشوفهم!
بصيت للظرف.. وبعدين بصيت له.
15 سنة.. وده كل اللي رجع بيه؟
ناديت بصوت عالي يا بنات، هخرج برا شوية وجاية علطول.
واحدة منهم ردت وهي مشغولة في الكلام ماشي يا سارة!.
خرجت وقفلت الباب ورايا.
إدوين فضل واقف في التراس، وحاطط إيده في جيوبه.
بصيت للظرف تاني، وبصيت له، ورحت فاتحاه بالراحة.
أول حاجة عيني وقعت عليها كانت التاريخ.. من 15 سنة فاتوا.
قلبي انقبض.. الورقة كانت دايبة ومكرمشة عند التطبيقات، باين إنها اتفتحت واتقفلت آلاف المرات.
بدأت أقرأ بخط إده المهزوز.. بس مكنش خط واحد مستعجل، كان خط واحد قاصد كل كلمة بيكتبها.
ومع كل سطر، كنت بحس إن الأرض بتهتز تحت رجلي.
عزيزتي سارة،
بعد وفاة لورا، الدنيا مانهارتش فوق دماغي عاطفياً بس، دي انهارات مادياً كمان. بدأت أكتشف بلاوي مكنتش أعرف عنها حاجة.. ديون، وفواتير متأخرة، وحسابات وقرارات هي عمرها ما قالت لي عليها. في الأول قلت هعرف أتصرف، وحاولت بكل طاقتي، بس كل ما أقول خلاص قربت أسدد اللي عليا، تطلع لي مصيبة تانية. مخدتش وقت طويل لحد ما عرفت إني غرقان لشوشتي في مشاكل أكبر مني بكتير.
بصيت له ورجعت كملت قراية..
البيت مكنش أمان، ومكنش في مليم مدخر، حتى التأمين اللي كنت فاكر إنه هيسندنا مكنش كفاية. كل حاجة كانت مهددة بالضياع. خوفت.. مكنتش شايف أي مخرج يحمي البنات من اللي أنا فيه. مكنتش عايزهم يخسروا الاستقرار اللي فاضل ليهم. وخدت قرار أقنعت نفسي إنه لمصلحتهم.
ضغطت على الورقة بإيدي وجزيت على سناني.
إدوين كمل شرح إنه لما سابهم معايا وأنا الشخص المستقر في العيلة كان شايف إن ده الحل الوحيد عشان يديهم فرصة يعيشوا حياة طبيعية. كان مقتنع إن وجودهم معاه هيجرجرهم وراه في المشاكل، فقرر يبعد عشان يحميهم.
أخدت نفسي بالعافية.. كلامه مكنش مريح، بس خلى الصورة توضح.
عارف شكلي إيه دلوقتي، وعارف إنتي شيلتي إيه بسببي.. مفيش أي مبرر هيخليني أطلع صح في نظرك.
ولأول مرة من ساعة ما جه، سمعت صوته.. كان هادي، يادوب همس أنا قاصد كل كلمة مكتوبة هناك.
مبصتلوش.. وقلبت الصفحة.
كان في ورق رسمي كتير.. قعدت أفر فيه بسرعة لحد ما وقفت. كل صفحة كان تاريخها جديد، وبتتكلم عن حسابات بنكية، وعقارات، وأرصدة.. وكلمات زي تم التسوية، مستردة، خالصة.
بصيت له وقلت إيه ده؟
رد صلحت كل حاجة.
برقت له كلها؟
هز راسه بس الموضوع أخد مني وقت طويل.
كلمة وقت طويل دي كانت قليلة قوي على اللي حصل.
بصيت في آخر صفحة.. لقيت تلات أسامي.
بناتي.
كل حاجة اتنقلت باسمهم.. ورق نضيف، ملوش أي علاقة بالماضي الأسود.
طبقت الورق بالراحة ووقفت قدامه.
إنت فاكر إنك لما تديني الورق ده، هتعوضني عن تقريباً 20 سنة ضاعوا من عمرنا؟
قال بهدوء لأ، مش فاكر كده.
ماجادلش، ولا دافع عن نفسه.. وده في حد ذاته عصّبني أكتر.
نزلت من التراس ومشيت كام خطوة بعيد، كنت محتاجة أتنفس.. وهو مفكرش يحصلني.
لفيت ورجعت له تاني.
ليه مأمنتش بيا؟ ليه ماقلتليش نوقف سوا وأساعدك؟
السؤال فضل متعلق في الهواء ما بينا.
بص لي ومطقش ولا بكلمة.. والسكوت ده كان فيه ردود توجع أكتر من أي كلام.
هزيت راسي بقلة حيلة إنت قررت بالنيابة عنا كلنا.. حتى ماودتنيش

تم نسخ الرابط