جبروت جوزي حكايات علي ابو الدهب
جزمة جوزي كانت على بعد سنتيمترات بس من بطني. ضربته صابتني، والدنيا كلها لفت فيني؛ وصار صوت أنفاسي يقطع الهوا مثل السكاكين. صرخ وهو عم يزمجر وعيونه باردة كذابة!، وكأن اللي ببطني مجرد دليل ضده مش روح وحياة. وفجأة، القاضي وقفببطء وبغضبوصوته كان عم يرجف أمن المحكمة... اعتقلوه فوراً. أنا عرفت هالصوت كويس.. وفجأة، سكوني وصمتي صاروا همّ سلاحي.
الجزمة الإيطالية الفخمة انغرزت ببطن ليلى وهي بالشهر السابع، بنص المحكمة وتحت إضاءة النيون الباردة في القاعة رقم 14. الصوت القوي للضربة سكّت الكل؛ المحامين، الكاتب، والناس اللي جايين يتفرجوا، وحتى صوت التدفئة القديم اللي كان عم يطقطق من الصبح وقف. قبل ثواني بس، كانت ريحة القاعة خشب وأوراق قديمة وقهوة باردة، الريحة اللي بتلاقيها دايماً بالمحاكم، المكان اللي بيجوا فيه الناس يدافعوا عن شرفهم أو يدفنوا وجعهم. بس فارس قطع المسافة لعندها بسرعة وبخفة واحد خبير، واحد بيعرف وين يضرب عشان يوجع بأكثر مكان ممكن.
ليلى ما لحقت حتى ترفع إيديها تحمي حالها. نَفَسها انقطع وكأنها غرقت فجأة. وجع بيحرق، وجع فظيع شق بطنها وطلع لضلوعها، وخلى طعم معدن بتمها. مسكت بطرف الخشب تبع منصة الشهود وأصابعها صارت بيضا من كتر الضغط، وما قدرت تصرخ. بالبداية ما طلع منها غير صوت مخنوق، صوت فيه انكسار، وكأنها عم تعتذر لأنها عم تتألم.
بالمقابل، فارس كان واقف ببدلته الرمادية الشيك، نفس الطلة اللي بيطلع فيها بالحفلات والمقابلات كأنه العبقري ورجل الأعمال المثالي. صارله 3 سنين بيمثل هالدور ببراعة، بيعرف يبتسم للمصورين، ويوقع شيكات للجمعيات الخيرية قدام الكاميرات، وبعدين يرجع البيت ويقول لمراته بكل هدوء إن الباب ما بصير يتسكر بقوة، وإن العشا ما بصير يتقدم بارد، وإن جسمها وهي حامل مش ملكها، هو ملك للرجال اللي دافع حق البيت والمصاريف وحق سكوتها.
لحظة الحقيقة
في القاعة، وحدة من النسوان بدت تبكي. محامي وقف بسرعة لدرجة الكرسي انقبل وراه. الشرطي انصدم وتأخر ثانية قبل ما يتحرك. أما فارس، فما تراجع ولا خاف، بالعكس، عدّل كرافتته ورسم على وجهه نظرة المظلوم اللي بيعرف يمثلها بامتياز.
صرخ وصوته هز القاعة
كذابة! صار لها شهور عم تحاول تدمرني! عم تستغل هاد الولد عشان تخرب حياتي!
ليلى رفعت راسها بصعوبة. شفتها كانت عم تنزف لأنها عضت عليها من الوجع. عيون فارس كانت متل الثلج، وهذا أكتر شي خوفها.. مش الضرب، ولا الوجع، بس إنها شافت بنفس العيون اللي بتطلع فيها بالليل بالبيت قبل ما يهمس بآدنها إنها هي اللي بتوصله لهي الحالة.
بس!
الكلمة نزلت مثل الصاعقة من فوق.
ليلى لفت راسها ببطء لجهة منصة القضاة. رئيس الجلسة كان واقف. المستشار عادل، القاضي اللي الكل بيحترمه، ما عاد وجهه هادي مثل العادة. إيديه كانت شادة على المكتب لدرجة إن مفاصله صارت بيضا، وحنكه عم يرجف من غضب ما حاول حتى يخفيه.
هذا أبوها.
الرجل الوحيد اللي ليلى قدرت تخبي عنه آثار الضرب وكذبت عليه ل 3 سنين بكلمة أنا بخير وهي عم تموت من جوه. هو اللي وصلها لعريسها يوم الفرح، وهو اللي سلم على فارس وقاله يا ابني، وكان فخور إن بنته تجوزت رجل الكل بيحسدها عليه.
بهاد الصباح، عادل ما كان المفروض يكون هو اللي عم يرأس هذي الجلسة
كان السكون بالصالة مرعب، الكل عم يطلع على المستشار عادل. الحقيقة نزلت عليه مثل الجمرة اللي حرقت كل سنين الثقة اللي بناها مع صهره. فارس، ولأول مرة، حس إن الأرض بدت تهتز تحت رجليه. النظرة المسكنة اللي كان راسمها بدت تتلاشى، بس لساته عم يحاول يكابر.
عادل ما نزل عن المنصة، فضل واقف ومثبت نظراته على فارس، وصوته طلع هادي بس فيه نبرة تخوف أكتر من الصراخ
أنا طول عمري بحكم بالعدل بين الناس يا فارس.. بس اليوم، أنا مش بس قاضي.. أنا أب عم يشوف دمه عم ينزف قدام عيونه.
ليلى كانت عم تبكي بصمت، والوجع ببطنها لسا عم يروح ويجي، بس نظرة أبوها أعطتها قوة ما كانت تتخيلها. فجأة، وبدون تفكير، مدت إيدها ومسحت الدم عن شفتها، وطلعت ب فارس وقالت بصوت واضح سمعته كل القاعة
خلص يا فارس..