بقلم بسمه

لمحة نيوز


أعدكِ بذلك.

مر أسبوع. لم تتصل حماتي. لم ترسل رسالة. كأنها كانت تنتظر لترى ماذا سيفعل ابنها. هل سيكون في صفها أم في صفّي؟ وبعد أسبوع، جاءتنا اتصال. كانت نبرتها حازمة، لا لبس فيها
العزومة الجاية يوم الجمعة. عزمتُ الناس. وأريد كل شيء يكون جاهزًا كما ينبغي.
لم تقل من فضلك ولا هل يناسبك؟. قالتها كأمر مفروغ منه.
رد عليها ابنها بكل هدوء
يا أمي، قبل كل شيء كم شخص عزمتِ؟
ما يهمك. المهم يكون الأكل كافيًا.
المهم أنا أعرف العدد. لأن هذا بيت زوجتي، ولها حق المعرفة. ومن حقها أن تقبل أو ترفض.
صمتت حماتي للحظة، ثم قالت بصوت حاد
يعني هي اللي بتمشي الكلام في بيتك؟
لا، بل نحن نتفق معًا. وهذا حقها. وأنتِ تعلمين أننا تحملنا تكاليف باهظة في المرات السابقة. ولم نعد نستطيع تحمّل المزيد دون ترتيب مسبق واتفاق.
يا سلام! أصبحتِم لا تستطيعون؟ من يوم ما تزوجتها وأنتَ تغيرت عليّ. هي اللي ملأت رأسك عليّ.
لم يملأ أحد رأسي يا أمي. أنا أرى بعينيّ. لقد أرسلتِ لي رسالة الأسبوع الماضي. قلتِ فيها المرة الجاية لازم نعزم عدد أكبر عايزة أعرف هي هتقدر تستحمل لحد فين.
سكتت. تجمعت الكلمات في حلقها. لم تتوقع أن ابنها سيقرأ الرسالة لي، ولم تتوقع أن يواجهها بها. حاولت أن تتنصل
أنا أنا كنت أمزح معك.
تمزح؟ وتقولين لي نختبرها؟ أهذا اختبار؟ اختبار لصبرها ومالها وجهدها؟ أهذا فعل أم تريد الخير لابنها ولزوجته؟
أنا أردت أن أعرف إن كانت صالحة لكِ تتحمل وتصبر
أمي! المرأة تُختبر بالمعروف والاحترام، لا بأن نُثقل كاهلها بما لا تطيق ثم ننظر هل تصمد أم لا! ألم يكفِها أنها تتحمل وتصبر وتكرم وتحسن؟ ألم يكفِها أنها لم تُقابلكِ بسوء قط؟
إذاً هي اشتكت لي؟
لم تشتكِ. هي صمتت طويلاً. أنا الذي رأيتُ الحقيقة بنفسي. والآن أقول لكِ بوضوح يوم الجمعة لن تكون هناك عزومة بهذا الأسلوب. إذا أردتِ أن نعزم أشخاصًا، فالعدد يُحدد مسبقًا، والتكاليف يُعلن عنها، والاتفاق يكون بيننا جميعًا. ومن يُعزم دون اتفاق فهو من يُكلف ويُجهز.
غضبت حماتي وصرخت
إذًا تختارها أنا وتتركني؟
أنا لا أختار أحدًا ضد أحد. أنا أختار الحق والعدالة. أنا ابنكِ وأنتِ أمي، ولن أقطع صلتكِ بي أبدًا. لكن هذه زوجتي، ولها عليّ حق العدل والمساواة والاحترام. ولن أظلمها لأجلكِ أنتِ ولا لأجل أي شخص آخر.
حسنًا إذا هكذا يكون الحال فلا تنتظروني عندكم. سآتي بنفسي وأخبر الناس أنكم رفضتم استضافتهم. وسأقول لهم إن زوجة ابنك بخيلة لا تريد إكرام الضيوف.
افعلي ما تشائين. لكن الحقيقة ستبقى معروفة. ومن يعرفكم سيعرف من المخطئ ومن المظلوم. ونحن سنقول الحقيقة ولن نخشى شيئًا.
أغلقت الهاتف في وجهه. وقف مكانها متأثرًا. نظرت إليّ ولم أتكلم. اقترب وقال بصوت متعب
لقد فعلتِ ما اتفقنا عليه. وهي غاضبة جدًا.
قلت بهدوء
الغضب مش بيستمر. الحق بيستمر. لو رضيناها اليوم، هتطمع في الغد. ولن ننتهي أبدًا.
أعلم ذلك. لكنني أخشى أن تُشوّه سمعتكِ بين الناس.
من يعرفني لن يصدق عليها. ومن يصدقها دون أن يسألني فلا يهمني رأيه. الكرامة أغلى من السمعة عند من لا يعرفوننا.

مرت الأيام. ولم تأتِ حماتي يوم الجمعة. ولم تتصل بنا. لكننا علمنا من أحد الأقارب أنها ذهبت إلى بيت ابنتها، وبدأت تروي لكل من تلقاه أنني بخيلة ومتسلطة وأخذت ابنها منها وغيّرته عليه. وانتشر الكلام في العائلة. بعضهم صدّقها وبعضهم شكّ وبعضهم سكت وانتظر ليرى الحقيقة بنفسه.
شعر ببعض الحرج، وقلبي تألم من أجله. لكنني كنت أعلم أن التراجع الآن يعني الهزيمة إلى الأبد. قلت له
الصدق زيت مهما ضغطت عليه يطفو على السطح. اصبر ولا تقلق.
وكان له موقف عجيب. بدأ يذهب إليها بمفرده أحيانًا، ويجلس معها ويحاورها بهدوء وحكمة. لا يصرخ ولا يُهين، بل يقول لها
يا أمي، أنا ابنكِ. أريدكِ أن تكوني سعيدة. لكن سعادتكِ لا يجب أن تكون على حساب سعادة زوجتي وكرامتها. إنها إنسانة لها حق الاحترام مثلكِ تمامًا. وإذا أردتِ أن نكون سعداء معًا، فعلينا أن نحترم حدود بعضنا البعض.
كانت ترفض في البداية وتغضب وتطرده. لكنه كان يعود مرّة أخرى. بصبر وهدوء وثبات. لم يقطع صلتها بها، ولم يُعنّفها، ولم يُخبر أحدًا بما فعلته أو بما قالته. حافظ على صورتها أمام الناس، ولم يُفشِ سرّ بيتنا. وهذا الأمر بدأ يُؤثر فيها شيئًا فشيئًا. فهي ترى ابنها بارًا بها، محسنًا إليها، لا يقطعها ولا يُسيء إليها ومع ذلك فهو ثابت لا يتزحزح فيما اتفق عليه مع زوجته. لم يكن ضعيفًا بل كان حازمًا ورحيمًا في آن واحد.
وفي هذه الأثناء، اكتشفت شيئًا آخر لم أتوقعه. علمت أن حماتي لم تكن تُعزم الناس فقط لكي تختبر صبري بل كانت تُعزمهم أحيانًا لكي تُظهر لهم أنها صاحبة الكلمة العليا في بيت ابنها. كانت تريد أن يقول الناس يا سلام، ابنها يُطيعها في كل شيء، حتى في العزومات والتكاليف. كانت تبني مجدًا زائفًا على حساب راحتي ومالي. وكلما رأت أنني أُطيع وأدفع، ازدادت فخرًا وغرورًا. ولما توقفت، شعرت بمجدها ينهار فغضبت وثارت.
علمتُ أيضًا أن زوجها والد زوجي كان يعاملها بهذه الطريقة تمامًا. كانت هي التي تُعزم وتُنفق وتأمر وتنهي، وكان هو يصمت ويُطيع. فظنّت أن كل زوج يجب أن يكون كذلك، وأن كل زوجة يجب أن تقبل وتصمت. لم تكن شريرة بطبعها بقدر ما كانت تُقلّد ما تعوّدت عليه، وتظن أن هذا هو حقها كأم وكزوجة. ولهذا حين واجهناها بالحقيقة، صُدمت لأن أحدًا لم يقل لها لا من قبل.

مر شهر. ولم يحدث تقارب. الكلام السيء عني استمر في بعض الدوائر. وذات يوم، كنت في زيارة لطبيب، فوجدتُ ابنة خال زوجي هناك. كانت من الذين صدّقوا حماتي وتجنّبوني. نظرت إليّ باحتقار وكادت تمرّ من جانبي دون أن تسلم. لكنني بادرتها بابتسامة لطيفة وسلمتُ عليها. ترددت ثم ردت السلام ببرود.
بعد فترة، علمتُ أن ابنة الخال تلك كانت تمر بضائقة مالية صعبة، وأن زوجها تعرض لأزمة في عمله. لم أتردد. أرسلتُ لها المبلغ الذي تحتاجه دون أن أذكر اسمي، عبر قريبة مشتركة. قلت لها هذا من عند خالتكِ التي تحبكِ وتتمنى لكِ الخير. لم أرد أن أُعيرها أردت فقط أن أُثبت لها أنني لستُ تلك البخيلة الشريرة التي تُحدثها حماتي عنها.
بعد أيام، اتصلت بي ابنة الخال. كانت تبكي. قالت
علمت أنكِ أنتِ من ساعدتني. سامحيني لقد كنتُ أتكلم عنكِ بسوء بناءً على ما سمعته. وأنتِ أكرمتِني وأحسنتِ إليّ.
قلتُ لها بكل لطف
لا يهمّكِ شيء. كلنا نسمع ونخطئ. المهم أن القلوب تكون صافية. وأنا لم أفعل هذا لأجعلِكِ في صفّي بل فعلته لأنكِ أهل للخير.
لكنها كانت تكذب عليّ تقول إنكِ تمنعين ابنها منها وتُسيئين إليها وكل ذلك غير صحيح.
لكل شخص وجهة نظره. وما حدث بيننا هو أمور بسيطة
 

تم نسخ الرابط