بقلم بسمه

لمحة نيوز


كبّرتها الأيام. وأنا ما زلتُ أتمنى لها الخير.
سأذهب إليها وأخبرها الحقيقة وسأطلب منها أن تكفّ عن الكلام عنكِ بهذه الطريقة.
أرجوكم لا تفعلوا. لا تُشعلوا نارًا جديدة. الزمن كفيل بتبيين الحقيقة. يكفي أنكِ عرفتِ الآن قلبي.
وبالفعل، ذهبت ابنة الخال إليها. لم تُخاصمها ولم تُعاتبها بل أخبرتها بما فعلتهُ لها، وبأنني لستُ كما تصفني. وبأنني كريمة وأخلاقي عالية. وبأنني لم أتكلم عنها بسوء قطّ.
هذا الكلام هزّ حماتي. لم تتوقع أنني سأكون بهذا القدر من النبل والكرم مع من تكلّم عني بسوء. بدأت تراجع نفسها. بدأت تتذكر أنني طوال الفترة الماضية لم أردّ الإساءة بالإساءة، ولم أُفشِ سرّ بيتنا، ولم أتكلم عنها أمام أحد. وأنني كنتُ أخدمها وأكرمها حين تأتي إلينا. وأن كل ما طلبتهُ هو العدل والاحترام لا أكثر.

وذات يوم، وبعد مرور أكثر من شهر ونصف، سمعنا صوت جرس الباب. حين فتحناه، وجدناها واقفةً عند الباب. وجهها شاحب، وعيناها حمراوين. لم تحمل معها شيئًا. وقفت وتنظر إلينا بصمت.
بادرها زوجي بكل حفاوة
يا أمي تفضلي بالدخول.
دخلت. جلست في الصالة. لم أتكلم. قدمتُ لها كوبًا من الشاي كما أحبّه. نظرت إليّ طويلاً. ثم قالت بصوت خافت متقطع
جئتُ جئتُ لأقول شيئًا وأرجو أن تسامحاني.
سكتت للحظة، ثم استطردت
لقد علمتُ كل شيء. علمتُ بما فعلتِهِ مع ابنة خالكِ. وعلمتُ أنكِ لم تتكلمي عني بسوء قطّ. وأنكِ لم تُخبر أحدًا بما حدث. وعلمتُ أنني كنتُ مخطئة بل ومخطئة جدًا.
دمعت عيناها. مسحت دموعها واستمرت
لقد نشأتُ على أن المرأة يجب أن تصمت وتُطيع وتتحمل. وعشتُ هكذا طوال حياتي. فظننتُ أنكِ أنتِ الأخرى يجب أن تكوني هكذا. واختبرتُكِ وقلّبتُ عليكِ وأردتُ أن أخضعكِ ظنًا مني أن هذا هو الحق. ولم أدرِ أن الحق هو العدل وأن من حقكِ أن يكون لكِ صوتٌ ورأيٌ وكرامة.
نظرت إليّ مباشرة وقالت بدموع صادقة
سامحيني يا بنيتي. لقد أخطأتُ في حقكِ كثيرًا. وكنتِ أهلاً للخير فأسأتُ إليكِ. وها أنا أعترف بذنبي. فهل تسامحينني؟
لم أتردد. اقتربتُ منها وأمسكتُ بيدها وقلبِي يرتجف من العاطفة
يا أمي أنا بنتكِ. والبنت تسامح أمها مهما فعلتِ. ما كان بيننا سوى سوء فهم وتربية قديمة. والآن كل شيء أصبح واضحًا. أنا أحبكِ وأريدكِ أن تكوني معنا بكل ودّ واحترام. من دون اختبارات ومن دون تكاليف تُثقل كاهل أحد. نحن عائلة واحدة نُعزّ بعضنا ونُكرم بعضنا ولا نُحمّل بعضنا ما لا نطيق.
احتضنتني وبكت. وبكيتُ معها. وبكى زوجي من ورائنا متأثرًا. لقد انكسرت الحواجز. لم يكن انتصارًا لي عليها بل كان انتصارًا للحق والعدل والمحبة على الغرور والقدرة والاستغلال.
جلست معنا طويلاً. تكلمنا بكل صراحة ووضوح. اتفقنا على أمور بسيطة لكنها كانت أساس كل مشكلة
أي عزومة أو دعوة يجب أن تُعرف مسبقًا، ويُحدد العدد والتكلفة باتفاق الجميع.
من يدعو يتحمل مسؤولية دعوته إما بأن يُشارك في التكلفة أو يُجهز ما يلزم.
المال في بيتنا مشترك يُنفق باتفاق ولا يُفرض على أحد شيء لا يريده.
الاحترام المتبادل هو أساس كل علاقة ولا يُختبر أحد أحدًا لأن المحبة لا تُبنى على الاختبار بل على الثقة.
ووافقت حماتي بكل رحابة صدر. بل وقالت
ليتني فهمتُ هذا من قبل. لكانت حياتنا أجمل وأسعد.
قلتُ لها بابتسامة
ما زال الأمل موجودًا. وما زال بيتنا مفتوحًا لكِ بكل محبة. والغد بإذنٍ الله أجمل.

ومضت الأيام وتحولت السنوات. وتغيرت أمور كثيرة. أصبحت حماتي تُشاورني قبل كل شيء. وتقول لي يا بنيتي، أريد أن أعزم فلان هل الوقت مناسب؟ وهل التكلفة مناسبة؟. وكنتُ أقول لها رأيي بكل صدق ومحبة. فإذا وافقتُ فرحنا معًا وإذا اعتذرتُ أوضحتُ لها السبب بكل لطفٍ وودّ. فتفهم وتقبل بكل رحابة صدر.
وذات يوم، ونحن نجهز عزومة عائلية صغيرة، قالت لي حماتي وهي تساعدني في ترتيب الطاولة
أتعلمين يا بنيتي؟ لقد كان ذلك الاختبار في الحقيقة اختبارًا لي أنا ليس لكِ.
نظرتُ إليها بدهشة فاستطردت بابتسامة هادئة
نعم. لقد اختبرتُكِ فصبرتِ وأحسنتِ. واختبرني الله بكِ فثبّتني على خطئي ثم أرشدني إلى الحق. فكان الخير كلّه في أن تعرفتِ إليّ حقًا وعرفتُكِ حقًا. ولو كنتِ استسلمتِ لي وصمتِ كما كنتُ أريد لظللنا نعيش في وهمٍ وخطأ.
قلتُ لها وأنا أبتسم وأمسك بيدها
وما أجمل أن نخرج من الوهم إلى الحقيقة ومن الخطأ إلى الصواب ومن البعد إلى المحبة.
صدقتِ. العزومة ليست بكثرة من نُعزم بل بمن نُحب ونُكرم ونُبقيهم في قلوبنا. والبيت لا يُبنى بالمال وحده بل يُبنى بالعدل والصدق والاحترام.
وبينما نحن نتحدث، دخل زوجي وسمع كلماتها. نظر إليّ ثم إليها، وقال بابتسامة دافئة
الآن فقط اكتملت السعادة. حين يتحد القلبان على الخير.
وضعت يدي في يدها ووضعت حماتي يدها فوقهما. واتفقنا بصمتٍ لا كلام فيه أن البيت الذي يُقام على العدل لا يُهدم والمحبة التي تُبني على الاحترام لا تموت وأن الصبر وإن طال فإن نهايته دائمًا فرجٌ وصلاح.
وظل بيتنا عامرًا بالناس والضحك والبركة لكنه لم يعد عامرًا بالأعباء والاختبارات والاستغلال. كنا نعزم من نحب ونُكرم من يأتي إلينا بقلوبٍ صافيةٍ ومبالغٍ نُقدر عليها لا نُثقل كاهل أنفسنا بما لا نطيق ولا نُجبر أحدًا على ما لا يريد. وهكذا عرفتُ أن العزومة الحقيقية ليست كثرة الطعام ولا كثرة الناس بل هي دعوةٌ تدخل بها المحبة القلوب وتُصلح بها ما انقطع وتُبني بها ما هو باقٍ وثابتٍ لا يزول بزوال الأيام.
وظلت تلك العبارة التي قالتها لي حماتي في آخر لقائنا قبل الصلح ترنّ في أذنيّ وتُعلمّني درسًا لن أنساه ما حييت لقد كان الاختبار لي لا لكِ. فكم من مرّة نُعامِل الناس بمنطق الاختبار والامتحان وننسى أننا نحن من نُمتحَن بسلوكنا ومعاملتنا لهم. وأن الله سبحانه وتعالى يُجري الخير على أيدي الصابرين الصادقين وإن طال الزمن وبدا الأمر مستحيلاً.

 

تم نسخ الرابط