وصيه غيرت حياتي حكايات علي ابو الدهب

لمحة نيوز

جوزي طردني من البيت بعد ما ورث 75 مليون.. لحد ما المحامي قرأ بند في الوصية خلاه على الحديدة
​لما مات الحاج منصور الشربيني، العيلة كلها اتجمعت في القاعة، لابسين أسود في أسود، وعاملين نفسهم متأثرين عشان يبانوا ولاد ناس ومحترمين قدام الناس.
​جوزي، تامر الشربيني، كان واقف جنبي ببدلة غالية جداً مفعش فيها مليم من جيبه، عمال يسلم على ناس بقاله سنين مبيبرّش بيهم ولا بيسأل عنهم. من بعيد يبان إنه الابن المكسور اللي فقد أبوه، زي ما الناس متوقعة.. بس أنا كنت عارفاه كويس أوي.
​ورا ملامحه الجادة وعينه اللي باصة في الأرض دي، مكنش فيه ذرة حزن واحدة.. كان فيه "حسابات".
كان مستني "الرقم".
مستني اللحظة اللي تتحول فيها ثروة أبوه من مجرد كلام لسيطرة وقوة في إيده.
​أنا بقالي 7 سنين شايلة الراجل ده على كتافي.
بينما تامر كان بيتنطط من مشروع فاشل لمشروع أفشل، كنت أنا بشتغل شغلانتين.
أنا اللي كنت بدفع قسط البيت.
أنا اللي كنت بجيب طلبات البيت، وبدفع التأمين، وفواتير الكهرباء والميّة المتأخرة، وكمان شايلة هم الكدب والمنظرة قدام الناس عشان نبان "كابل" ناجح وسعيد.
​وهو؟ هو كان بيصحى الظهر، ويروح يلعب مع أصحابه اللي في الحقيقة كانوا بيتمسخروا عليه، وكل ما يجي يبرر فشله يقول: "أبويا مديون لي.. لازم يعوضني عن الأذى النفسي اللي سببهولي طول عمري".
​الحاج منصور كان راجل ناشف، وشخصيته قوية ومسيطرة.. بس مكنش عبيط.
كان عارف ابنه "قماشته إيه" كويس أوي.
​بعد الدفن، رجعنا البيت في سكوت تام.
البيت اللي إحنا ساكنين فيه ده، أنا اللي دافعة تمنه من شقايا وتعب عيني.
تامر فك الكرافتة، وفتح إزازة من اللي كان "لطشها" من مكتب أبوه، وابتسم بلهفة مكنش قادر يداريها أكتر من كدة.
​قال لي: "بكرة كل حاجة هتتغير".
​ردّيت عليه وأنا ببص له من بعيد: "يمكن".
​ضحك بصوت عالي وقال: "مفيش يمكن.. ثروة أبويا متقلش عن 75 مليون جنيه، والكل عارف كدة".
​أنا كمان كنت سمعت الرقم ده.
استثمارات، وأراضي، وأسهم، وعقارات، وحسابات سرية.. مبالغ عمري ما حلمت أشوفها حتى في الورق.
بس في حاجة في تصرفات الحاج منصور في شهوره الأخيرة كانت مخلياني قلقانة.
​كل مرة كنت بروح أزوره فيها، كان بيسألني أسئلة غريبة:
"مين اللي بيدفع الفواتير يا بنتي؟"
"مين اللي شايل البيت؟"
"هو تامر عرف يثبت في شغلانة أكتر من 6 شهور؟"
​كان المفروض أصدق إحساسي وقتها.
​تاني يوم الصبح، وقبل ما نروح نقرأ الوصية بشكل رسمي، جت لـ تامر مكالمة من مكتب المحامي.
دخل الطرقة عشان يرد، ولما رجع كانت الابتسامة مالية وشه بشكل يستفز.
​قال وهو بيمسك مفاتيح العربية: "خلاص، الموضوع اتأكد.. أبويا ساب لي كل حاجة تقريباً".
​بصيت له بشك وقلت: "وتأكدت إزاي؟"
​هز كتافه ببرود مستفز وقال: "السكرتيرة بؤها خفيف وخرّت الكلام.. مش مهم، المهم إني أخيراً بقيت حر".
​أنا وقتها افتكرت إنه قصده حر من الديون.. حر من ضغط العيلة.. حر من حمل السنين اللي كان حاسس فيها إنه فاشل..
​تفتكر تامر هيعمل إيه بالفلوس دي؟ وهل الوصية فعلاً زي ما هو فاكر
أخد تامر مفاتيح العربية ونزل وهو مش شايف قدامه من الفرحة، وأنا نزلت وراه وقلبي مقبوض. وصلنا مكتب المحامي، وكان الجو مشحون. إخواته وقرايبه كلهم كانوا قاعدين، والعيون كلها كانت بتطلع شرار، بس تامر كان قاعد وحاطط رجل على رجل وكأنه ملك متوج.
​بدأ المحامي يفتح المظروف ببطء، ونضف نضارته، وبدأ يقرأ:
"أنا منصور الشربيني، أقر وأعترف وأنا في كامل قوايا العقلية، إني شفت في حياتي مين اللي صان ومين اللي خان، مين اللي بنى ومين اللي هدم."
​تامر همس لي وهو بيضحك: "اسمعي الأسطوانة دي، كان لازم يسيب بصمته الدرامية في الآخر".
​المحامي كمل: "قررت أورث ابني تامر كل أصولي العقارية، وحصتي في الشركات، ورصيدي في البنوك، واللي بتقدر قيمتها بـ 75 مليون جنيه..."
​القاعة كلها قامت وما قعدتش، شهقات وصريخ واعتراضات، وتامر قام وقف وفرد صدره وبصلي بنظرة كلها كبرياء وقال بصوت واطي: "أنا مش محتاجك يا سلمى.. تقدري تاخدي حاجتك من بيتي النهاردة، أنا هبدأ حياة جديدة تليق بمقامي".
​أنا اتصدمت.. الراجل اللي شلته في عيني وسندته لما كان مكسور، أول ما شم ريحة الفلوس رماني زي ورقة الشجر الناشفة.
​لكن المحامي خبط على المكتب بقوة وقال: "هدوء يا جماعة! أنا لسه مخلصتش البند الأخير!"
​سكت الكل، والمحامي بص لـ تامر بنظرة غريبة وكمل قراية:
"... ولكن، هذه التركة مشروطة ببند واحد لا رجعة فيه: نظرًا لأن ابني تامر لم يثبت كفاءة في إدارة مليم واحد طوال حياته، ولأن زوجته سلمى هي من كانت تعول وتحمي بيته، فإن كل هذه الأموال تظل تحت الوصاية الكاملة لزوجته سلمى لمدة 10 سنوات. لا يحق له التصرف في قرش واحد، أو بيع أي عقار، أو حتى سحب مصروفه الشخصي إلا بتوقيع منها وموافقتها الكتابية."
​المحامي سكت لحظة وبص في الورقة وكمل:
"وفي حالة انفصاله عنها أو طلاقها، تذهب الثروة كاملةً إلى الجمعيات الخيرية، ويُطرد تامر من جميع أملاكي بملابسه التي يرتديها فقط."
​لون وش تامر تحول من الأحمر للأصفر للأزرق.. بصلي وهو مبرق، وإيده اللي كانت ماسكة سيجار فخم بدأت تترعش.
​أنا قمت من مكاني بكل هدوء، عدلت شنطتي على كتفي، وبصيت له وقلت:
"كنت بتقول إيه يا تامر؟ آخد حاجتي وأخرج من بيتك؟ تحب أوقع لك على وصل الكهرباء قبل ما أمشي ولا تتصرف أنت مع الجمعيات الخيرية؟"
​تامر نزل على الكرسي وكأنه جبل وانهد، وبدأ يتمتم بكلمات مش مفهومة، بينما المحامي مد لي القلم وقال لي: "اتفضلي يا مدام سلمى، أنتِ دلوقتي المسؤولة عن كل حاجة".
تامر كان قاعد والذهول ملجم لسانه، بيبص للمحامي وكأنه بيتكلم لغة تانية غير اللي نعرفها. القاعة اللي كانت من لحظات مليانة بصريخ الورثة، فجأة ساد فيها هدوء مرعب.. الكل عينه بقت عليا أنا.
​تامر حاول يبلع ريقه، وقام وقف وهو بيترعش وقال بصوت مهزوز:
— "أكيد فيه غلط.. الكلام ده مش قانوني! المحامي ده أكيد قبض منك عشان يزوّر الورقة دي!"
​المحامي قلع نظارته بكل برود ورمى الورقة قدامه على المكتب:
— "يا أستاذ تامر، الوصية دي متوثقة فيديو وصوت، والحاج منصور الله يرحمه كان واعي جداً وهو بيحط الشرط ده. هو كان عارف إنك هتعمل كدة أول ما تمسك الفلوس، وكان هدفه يحمي ثروته ويحمي الست اللي صانتك وأنت ولا حاجة."
​تامر لف وبصلي، ونبرة صوته اتغيرت 180 درجة.. من الكبر والغرور لشحات بيستجدي العطف:
— "سلمى.. حبيبتي.. أنتِ عارفة إني كنت بنرفزك بس، أنا مكنتش قصدي اللي قلته من شوية.. إحنا عشرة عمر، والفلوس دي فلوستك أنتِ قبل ما تكون فلوسي."
​ضحكت بوجع وقرفت من منظره:
— "دلوقتي بقت فلوستي وعشرة عمر؟ من خمس دقايق بس كنت بتقول لي 'خدي حاجتك واطلعي بره بيتي'.. نسيت بسرعة كدة؟"

تم نسخ الرابط