وصيه غيرت حياتي حكايات علي ابو الدهب

لمحة نيوز


​المحامي قاطعنا وقال:
— "مدام سلمى، فيه نقطة كمان.. الحاج منصور ساب لك جواب شخصي، وطلب مني أسلمهولك بعد قراية الوصية."
​أخدت الجواب وفتحته بإيد بتترعش، كان مكتوب فيه بخط إيده الناشف:
​"يا بنتي يا سلمى.. أنا عارف إن ابني خيب رجائي، وعارف إنك استحملتي اللي مفيش ست تتحمله. الفلوس دي مش ورث، دي 'حقك' اللي ضاع وانتي بتصرفي عليه. أنا حطيت رقبته تحت سيفك عشان أرد لك اعتبارك.. لو عايزة تكملي معاه وتكسري عينه بالقرش، ده حقك.. ولو عايزة تطلقيه وتسيبيه يرجع يشحت في الشوارع، ده برضه حقك. القرار في إيدك أنتِ لوحدك."
​بصيت لـ تامر اللي كان واقف مستني مني كلمة، مستني "إمضاء" عشان يعرف يصرف ثمن القهوة اللي شربها.
​— "تامر.. أنت قلت إنك عايز تبدأ حياة جديدة تليق بمقامك، صح؟"
رد بلهفة: "أيوة يا حبيبتي، ومعاكي طبعاً!"
​ابتسمت له ببرود وقلت له:
— "تمام.. يبقى تبدأها من الصفر فعلاً. أنا هرفع قضية طلاق خلع النهاردة. وبالنسبة للـ 75 مليون.. فزي ما الحاج منصور قال، يروحوا للغلابة والجمعيات الخيرية، هما أولى بيهم من واحد زيك."
​تامر صرخ بأعلى صوته:
— "أنتِ اتجننتي؟! هتضيعي الثروة دي كلها عشان تنتقمي مني؟!"
​قلت له وأنا ماشية وبفتح باب المكتب:
— "الثروة دي مكنتش هتخليني سعيدة وأنا معاك.. بس شوفتك وأنت بتشحت اللقمة، هي دي السعادة الحقيقية اللي استنيتها سنين. اشبع بقى ببدلتك الغالية دي.. عشان دي آخر حاجة نضيفة هتلبسها في حياتك."
​خرجت من المكتب وأنا حاسة بوزن جبل انزاح من على صدري، وسبته ورايا بيحاول يقنع المحامي بأي ثغرة.. بس الحاج منصور كان قافلها بالضبة والمفتاح.
بعد ما خرجت من المكتب، مكنتش شايفة قدامي غير الطريق اللي بقاله سنين مسدود وفتح فجأة. ركبت عربيتي وسندت راسي على الدركسيون، وحسيت بنوبة ضحك مختلطة بدموع.. ضحك على خيبة تامر، ودموع على سنين عمري اللي ضاعت مع واحد زيه.
​فجأة، لقيت خبط على شباك العربية. كان تامر، وشه كان مخطوف وعرقه مغرقه، بيخبط بهستيريا وهو بيصرخ:
— "سلمى! افتحي! أنتِ مش فاهمة، لو عملتي كدة أنا هضيع! أنا مديون لناس بره بمبالغ كبيرة، كنت مستني الورث عشان أسددهم! هيموتوني يا سلمى!"
​نزلت الشباك حاجة بسيطة وبصيت له بكل قسوة:
— "ودي مشكلتي أنا في إيه؟ مش دي كانت استثماراتك وخططك اللي كنت بتقعد تحكي عنها للفجر؟ اشرب بقى يا تامر."
​طلعت بالعربية وسبته واقف في وسط الطريق، رحت على طول عند محامي شاطر أعرفه، وطلبت منه يخلص إجراءات الطلاق ويتواصل مع مكتب إدارة تركة الحاج منصور عشان نبدأ إجراءات تحويل المبالغ للجمعيات الخيرية، مع ترك مبلغ بسيط "أتعاب" ليا زي ما الوصية كانت بتلمح في بند فرعي إن "الإدارة لها أجر".
​بعد أسبوعين، كنت قاعدة في كافيه بشرب قهوتي في هدوء، لقيت رسالة جاية لي على الموبايل من رقم غريب:
"الحقي جوزك، الديانة حجزوا على عفش البيت اللي أنتِ دافعة تمنه، وهو مرمي في الشارع دلوقتي."
​روحت هناك، مش عشان أساعده، بس عشان آخد حاجتي اللي تخصني. لقيت المنظر يصعب على الكافر: تامر قاعد على الرصيف، والبدلة اللي كان فرحان بيها بقت مبهدلة، والناس واقفة تتفرج عليه وهو بيتحايل على المحضرين يسيبوا له حتى التليفزيون.
​أول ما شافني، جري عليا وكأنه شاف طوق نجاة:
— "سلمى! قولي لهم إنك لسه مراتي! قولي لهم إن الفلوس موجودة!"
​بصيت للمحضر وقلت له بصوت عالي:
— "أنا ماليش علاقة بالشخص ده، وإجراءات الطلاق بتخلص. والبيت ده أنا معايا عقد إيجاره باسمي، والديون دي ديونه هو الشخصية، يعني العفش ده ملكي أنا ومحدش يلمسه."
​المحضر راجع الورق وقال له: "فعلاً يا أستاذ، المدام معاها حق. اتفضل أنت بقى من غير شوشرة."
​وقف تامر مكسور، لا مال، ولا زوجة، ولا حتى سقف يداريه. بصيت له لآخر مرة قبل ما أدخل بيتي اللي نضف منه وقلت له:
— "الحاج منصور مكنش قاسي عليك يا تامر.. هو بس سابك لـ 'نفسك'.. ودي كانت أقسى عقوبة ممكن تتخيلها."
​قفلت الباب في وشه، ولأول مرة من 7 سنين، نمت وأنا مش شايلة هم بكرة، ولا شايلة هم مين هيصرف على مين. الثروة الحقيقية مكنتش الـ 75 مليون، الثروة كانت "راحت بالي" اللي اشتريتها بكلمة "لأ".
مرت الشهور، وحياة تامر اتحولت لفيلم درامي حزين بس من غير جمهور يصفق له. المحامي بلّغني إن تامر حاول يرفع كذا قضية عشان يطعن في الوصية، بس في كل مرة كان بيخسر، لأن الحاج منصور كان مسجل فيديو وهو بيشرح فيه بالتفصيل ليه هو عمل كدة، وكان بيقول في الفيديو: "ابني محتاج يتعلم يعني إيه قرش شلال قبل ما يتعلم يعني إيه مليون جنيه"، وطبعاً الفيديو ده كان كفيل يقفل أي ثغرة قانونية.
​في يوم، وأنا خارجة من شغلي الجديد اللي بدأت فيه كمديرة في شركة كبيرة بفضل خبرتي السنين اللي فاتت، لقيته واقف جنب عربيتي. كان شكله اتغير تماماً، خاسس جداً ودقنه طويلة، ولابس قميص قديم ومكوي بالعافية.
​وقف قدامي وقال بصوت مكسور: "سلمى، أنا بشتغل دلوقتي موظف أمن في مول.. وردية 12 ساعة.. وتعبت."
​بصيت له بهدوء وقلت له: "على الأقل دلوقتي بقيت بتكسب لقمة حلال يا تامر، مش ده اللي كنت بتسميه 'شغل ميليقش بمقامك'؟"
​بص في الأرض وقال: "أنا عرفت قيمتك متأخر أوي. أنا كنت فاكر إن الفلوس هي اللي بتعمل البني آدم، بس اكتشفت إن السند هو اللي بيعمل القيمة. أنا مش عايز الـ 75 مليون، أنا بس عايزك تسامحيني وترجعيلي."
​ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت له:
​"أنا سامحتك فعلاً يا تامر.. سامحتك اليوم اللي قررت فيه إني مديش لنفسي فرصة أزعل عليك تاني. بس الرجوع مستحيل. الحاج منصور ساب لك أعظم ورث ممكن يحلم بيه راجل زيك.. ساب لك فرصة إنك تكون 'راجل' بجد، تعتمد على نفسك وتعرف قيمة التعب."
​سبته ومشيت، ومن المراية شفته وهو واقف مكانه بيبص على عربيتي وهي بتبعد.
​الـ 75 مليون كلهم راحوا لمستشفيات أطفال ودور أيتام، وبقى اسم الحاج منصور الشربيني منور على لوحات الشرف في كل مكان. أما أنا، فكملت حياتي بفلوسي اللي تعبت فيها، وبقيت أنام كل يوم وأنا عارفة إن مفيش حد يقدر يكسرني أو يستغلني تاني.
​الخلاصة: أحياناً، المنع بيكون هو قمة العطاء، والحاجة اللي بنفتكر إنها دمرت حياتنا، بتكون هي السلم اللي بيطلعنا لبر الأمان.
​تمت.

تم نسخ الرابط