الخيانه حكايات علي ابو الدهب
صوتي رجّ المكان.
كان طالع بارد لدرجة إني أنا نفسي مستغربتهوش.
التلاتة لفتوا في نفس الوقت.
أول ما شافوني—
وشوشهم بقت زي الأموات، لونها خطف.
"أ... أحمد..." أمي بدأت تتهته.
هبة وقفت مكانها مش قادرة تتحرك.
أما ليلى... فكانت بتبص لي وعينيها مبرقة، كأنها مش مصدقة إنها شايفاني.
مبصتش لأي حد فيهم.
عيني كانت على ليلى بس.
الست اللي وعدت إني أحميها.
الست اللي... سبتها لوحدها في الجحيم ده.
والمرة دي—
مش هسكت.
تقدمت ناحيتها وأنا مش شايف قدامي غير دموعها. سحبت إيديها من المية والصابون، ومسحت وشها بكُم قميصي، وقلبي بيتعصر من الوجع.
بصيت لأمي ولـ هبة ونظراتي كانت زي السكاكين.
هبة حاولت تلطف الجو وقالت بصوت مهزوز:
"يا أحمد يا حبيبي حمد الله على السلامة! أنت فهمت غلط، ليلى هي اللي كانت حابة تساعدنا، أصل الشغالة غايبة النهاردة..."
ضحكت بمرارة وقولت لها:
"الشغالة غايبة؟ والمية ألف جنيه اللي ببعتها كل شهر كانت بتروح فين؟ واللبس المبهدل ده إيه ظروفه؟ ليلى اللي طول عمرها عزيزة نفس، بقيتوا بتعاملوها كأنها جارية عندكم في غيابي؟"
أمي قربت مني وبدأت تستخدم نبرة "الأم الضحية":
"يا ابني جرى لك إيه؟ إحنا أهلك! دي حتة بت لا راحت ولا جت، أنت كبرت ونسيت نفسك ولا إيه؟ الفلوس دي حقنا إحنا تعويض عن سنين شقانا معاك."
في اللحظة دي، حسيت إن الغشاوة اتشالت تماماً عن عيني. بصيت للفيلا، وبصيت للألماس اللي كان في إيدي، وبصيت لـ ليلى اللي كانت لسه بتترعش.
قلت بصوت عالي هز حيطان المطبخ:
"البيت ده ليلى هي صاحبته، مش ضيفة فيه. والفلوس اللي كنت ببعتها كانت ليها، مش عشان تعزموا بيها صاحباتكم وتستقووا عليها!"
طلعت مفاتيح العربية ومسكت إيد ليلى بقوة:
"إحنا ماشيين يا ليلى."
أمي صرخت: "ماشي رايح فين وسايب أمك؟ عشان خاطر دي؟"
رديت عليها وأنا عند الباب ومن غير ما أبص ورايا:
"دي هي اللي شالتني لما كنت تحت الصفر، وأنتوا كنتوا أول ناس اتخلوا عني وقتها. ليلى مش بس مراتي، دي ذمتي اللي خنتها لما أمنتلكم عليها. من النهاردة، مفيش مليم داخل البيت ده، والفيلا دي هتباع، وأنتوا ترجعوا تعيشوا في الشقة القديمة اللي كنتوا فيها.. يمكن تفتكروا أصلكم."
خرجت من البيت وأنا واخد ليلى في حضني، وهي كانت بتبكي بس المرة دي بكا "راحة".
ليلى بصت لي وهي مش مصدقة وقالت: "أحمد.. أنا كنت فاكرة إنك نسيتني."
بست راسها وقولت لها: "أنا اللي أسف يا ملكة قلبي.. الوعد اللي وعدتهولك لسه شغال، ومن النهاردة مفيش قوة في الأرض هتقدر تلمس شعرة منك."
ومن يومها، بدأت حياة جديدة، حياة مفهاش ناس "سـامة" حتى لو كانوا من دمي، لأن الأهل مش بالاسم، الأهل باللي بيصونك في غيابك قبل حضورك.
مرت الأيام، ونفذت كل كلمة قلتها.
بعت الفيلا الكبيرة اللي في التجمع، لأنها كانت مليانة ذكريات توجع القلب، واشتريت لـ ليلى بيت أحلى وأهدى في مكان بعيد عنهم تماماً. أما أمي وهبة، فنقلتهم لشقة عادية على قدهم، وخصصت لهم مبلغ شهري بسيط يمشيهم بالعافية، عشان يحسوا بقيمة القرش اللي كانوا بيصرفوه بمنتهى الجحود.
في يوم، كنت قاعد مع ليلى في بلكونة بيتنا الجديد، كانت بتشرب قهوتها وهي لابسة الفستان اللي جبتهولها، وشكلها رجع زي ما كان... ملكة فعلاً.
بصت لي بابتسامة هادية وقالت:
"أحمد... أنت مش ندمان؟ مهما كان دي مامتك وأختك."
مسكت إيدها وضغطت عليها براحة:
"الندم الحقيقي يا ليلى إني سيبتك ليهم كل ده. الأمومة مش بس كلمة، دي حنية وصون للأمانة. وهما خانوا الأمانة واستغلوا غيابي عشان يكسروكي. اللي يكسر مراتي اللي وقفت جنبي في عز فقري، ملوش مكان في حياتي وأنا في قمتي."
ليلى سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت واطي:
"أنا مكنتش عايزة فلوس ولا فيلا... أنا بس كنت عايزة أحس إني مش لوحدي وأنت مسافر."
قربت منها وقولت لها:
"وعد مني، من النهاردة مش هغيب عنك تاني. شغلي هيدار من هنا، وسفري هيكون للضرورة وأنتي معايا. الدرس كان قاسي عليا وعليكي، بس علمني إن القلب اللي يحبك وأنت معندكش حاجة، يتشال فوق الراس العمر كله."
ومن اليوم ده، قفلت صفحة الماضي بكل اللي فيها. اتعلمت إن "العيلة" مش مجرد صلة دم، العيلة هي الناس اللي بتخاف على زعلك، اللي بتصونك في غيابك، واللي بيفضلوا سند ليك مهما مالت بيك الدنيا.
ليلى مكنتش بس "الملكة المنسية"... دي كانت الأصل، والحكاية بدأت فعلاً لما هي رجعت لمكانها الطبيعي: في قلبي وفي صدر بيتي.
تمت.