كشف الماضي حكايات علي ابو الدهب
لما قلعت قميص سلفي المشلول، فهمت وقتها ليه جوزي كان مانعني بقاله سنين إني أدخل أوضته.
أنا غسلت سلفي المشلول ده مرات كتير قبل كده. في السنتين اللي قضيتهم في البيت ده، اتعودت على حاجات كتير ريحة الدوا اللي مالية السيباط الطرقة، صوت التلفزيون اللي شغال علطول في المطبخ، الفوط المبلولة اللي على الدفاية، والكاتل اللي شغال علطول عشان حد تاني، وعمرك ما بتعملي حاجة لنفسك. بس في الليلة دي، لما قلعته القميص، فهمت أخيراً ليه جوزي كان بيقعد يكرر وهو أعصابه مشدودة نفس الجملة قبل ما ينزل
يا لينا، إياكي تدخلي أوضة باشا إلا للضرورة القصوى. لو حصل أي حاجة، كلمي أمي.
ومكنش خوف عليا.. ده كان تحذير.
بعد الجلطة، باول باسم مكنش بيقدر يتحرك تقريباً. جنبه اليمين مكنش بيسمع كلامه، والكلام كان بيطلع منه متقطع، كأن كل كلمة بتحفر طريقها وسط الصخر. حماتي فضلت متماسكة شوية، وبعدين كأنها انطفت. قعدت بالجاكيت الصوف والشبشب بتاعها، وبقت عايشة بالثانية مواعيد الدوا، الشوربة، الصلاة، والسكوت. أما أنطون أحمد فكان بيغيب كتير بحجة الشغل، كان بيقول إن لازم حد يصرف على البيت. ويمكن كان معاه حق، بس إنك تصرف مش معناه إنك موجود.
واللي كانت بتشيل الليلة... هي أنا.
عندي تسعة وعشرين سنة. متجوزة بقالي تلات سنين. ومن سنة ونص مابقتش حاسة إني زوجة، بقيت ممرضة، طباخة، شغالة حد لازم يكمل حتى لما كل حاجة جواه بدأت تشقق من التعب. كنت بغير الملايات، وآكله بالمعلقة، وأدعك له ضهره، وأغسل هدومه، وأرمي الحفاضات، وأعمل الشوربة، وأمسح الأرض. مكنتش بشتكي، على الأقل مش بصوت عالي، عشان في بيوت زي دي، الشكوى بتعتبر خيانة.
باول باسم طول عمره كان ساكت، حتى قبل ما يتعب. مكنش من نوع الرجالة اللي بيحشروا نفسهم في الكلام أو يملوا المكان بوجودهم. بالعكس، كان يبص لك كأنه شايف أكتر بكتير من اللي بيقوله. وساعات سكوته ده كان بيقلقني، مش قلة ذوق منه، بس عشان نظراته كان دايماً فيها حاجة مش مريحة.. كأنه فاهم حاجة عن عيلتنا قبل ما أنا أدركها بكتير.
أنطون أحمد كان بيتغير تماماً وهو جنب أخوه. حتى صوته كان بيبقى غريب ناشف، وقصير، ومشدود. مكنش بيرضى يقعد معاه لوحدهم ولو خمس دقايق. يادوب يديله الدوا، يسأله عن الضغط، ويخرج فوراً يسيجارة في المدخل. وكل مرة كنت أعرض فيها إني أساعد باول يغسل أو يغير هدومه، كان جوزي يتشنج كأني هفتح باب قبر، مش باب أوضة.
في اليوم ده، الدنيا كانت بتمطر مطر خفيف من الصبح. مطر بارد من بتاع شهر أربعة. الجنينة تحت الشباك كانت كئيبة، والبرك بتلمع، وفي كنبة مكسورة في الركن. حماتي كانت راحت الوحدة الصحية تجيب روشتات، وأنطون كان مسافر من ليلة امبارح. الشقة كانت هادية لدرجة إنك تسمعي رقعة باب العمارة وصوت الكاتل وهو بيبرد في المطبخ.
لما جه وقت إني أغسل ل باول، قال فجأة
مش النهاردة.
بصوت واطي جداً، شبه الهمس.
ضحكت وأنا بحاول أهديه
الأوضة دافية، هتبقى أحسن لما تستحمى.
سكت كتير، وبعدين بص الناحية تانية وهز راسه براحة.
جهزت كل حاجة كالعادة طشت فيه مية دافية، تيشيرت نظيف، فوطة، وكرسي جنب البانيو. ريحة الصابون كانت رخيصة، زي ريحة صابون الأطفال. باول كان حاساه تقيل أكتر من العادي مش تقل وزن، لأ، تقل توتر. كأن جسمه كله عارف حاجة أنا معرفهاش، وكان بيقاوم اللحظة اللي جاية.
بدأت أفك زراير القميص براحة، واحد ورا التاني. اللمبة الصفراء في الحمام كانت ضعيفة ومخلية لون جلده باهت. لما وصلت لآخر زرار، كتم نفسه بالعافية وقال
لينا... لأ.
بصيت له وقلت
لأ إيه؟
مردش، بس غمض عينه أوي، كأنه مش عايز يشوفني وأنا بشوف اللي هيظهر.
بس خلاص، القميص كان اتفك.
سحبت القماش من على كتافه.
وفي اللحظة دي، حسيت كأن المية اللي في إيدي اتحولت لثلاج.
ضهرُه كله كان متغطي بآثار ضرب وجروح قديمة.
مش جرح ولا اتنين، كتير. خطوط طويلة، مش سوية، لونها أبيض، نازلة من عند كتافه لتحت، جاية فوق بعضها كأن في حد كان بيضربه سنين بكل قوته، وبحاجة ناشفة، حد مكنش بيضرب جسمه بس، ده كان بيكسر كرامته. دي مكنتش آثار تعب، ولا وقعة، ولا حادثة.. دي كانت عادة عند حد.
صوابعي بدأت تترعش، ومخدتش بالي لما القميص وقع مني على السيراميك المبلول.
في ودني، رن صوت أنطون وهو بيقول ماتدخليش أوضته إلا للضرورة. مكنش قصده بيكسف ولا تعبان.. ده كان أمر فيه كمية خوف مرعبة.
بصيت على العلامات دي وفهمت فجأة إن البيت ده مكنش بيسكت عشان المرض بس.
باول ملفش وشه، فضل مِيل بجسمه، ومغمض عينه، ونفسه عالي زي واحد خبى حاجة تحت جلده وقت طويل وأخيراً عرف إنها اتكشفت.
معرفش فات كام ثانية، عشرة، دقيقة؟ المية كانت نازلة على ضهره، بتملى الحفر القديمة بتاعة الجروح وتنزل تنقط على الأرض.
سألته ده حصل قبل الجلطة؟
هز راسه بالعافية.. أيوه.
في حاجة جوايا اتكسرت.
قبل الجلطة.. يعني أنطون كان عارف، وحماتي كانت عارفة. الكل كان عارف ومحدش قالي كلمة.
قربت منه بحذر كأني خايفة أي حركة تفتح الجروح دي تاني.
مين اللي عمل فيك كده؟
باول سكت.
سألته تاني بصوت أوطى
يا باسم... مين؟
بلع ريقه بصعوبة، وعضلات رقبة اتشنجت. شفايفه اتحركت بس مطلعش صوت مسموع.
بس أنا سمعت.. وفهمت.
مقالش