كشف الماضي حكايات علي ابو الدهب

لمحة نيوز

اسم.. قال صلة قرابة.
بعد الكلمة دي، حسيت بأول مرة بالخوف الحقيقي. لأن الكلمة دي فسرت حاجات كتير، وحولت حاجات تانية ل مستحيلة.
مديت إيدي غريزياً عشان أجيب فوطة أغطي بيها كتافه وهنا شفت حاجة تانية. تحت كتفه الشمال بشوية، وسط الزحمة بتاعة الجروح، كان فيه تاتو صغير وممسوح. تاتو بتاع عيال صغيرة، معوج، كأنه معمول بإبرة في البيت وبالسر. حرفين اتنين.
نفس الحرفين اللي شفتهم قبل كده.
محفورين من جوه في دبلة جوزي.
في اللحظة دي، مابقتش عارفة هو أنطون كان بيحاول يحميني من أخوه... ولا بيحمي نفسه مني.
وقفت وفردت ضهري وأنا حاسة إن الهوا في الحمام بقا قليل أوي ومش قادرة أتنفس. من ورا الحيطة، كان فيه ماسورة بتنقط. وفي المطبخ، الكاتل طلع صوت طقطقة وهو بيبرد. وفي المدخل، سمعت صوت حد طالع السلم براحة.
وفي اللحظة دي بالذات، ولأول مرة، باول فتح عينه وبص ناحية الباب 
كأنه مش خايف من اللي فات.
كأنه خايف من اللي داخل دلوقتي.
صوت المفتاح وهو بيلف في الباب كان زي الطلقة في هدوء الشقة.
باسم باول غمض عينه تاني وقبض بإيده على حرف البانيو لدرجة إن عروق إيده برزت وبقت زرقاء. أنا فضلت واقفة مكاني، القميص المبلول تحت رجلي، وقلبي بيدق في ودني لدرجة إني مكنتش سامعة غيره.
دخل أحمد أنطون.
سمعت صوت حذائه على السيراميك في الطرقة، وبعدين صوته وهو بينادي ببرود هادي، البرود اللي كان دايماً بيطمنّي ودلوقتي بقى بيخليني أكش
لينا؟ أنتي فين؟
محركتش من مكاني. الباب كان موارب، وشفت ظله وهو بيقرب. لما فتح الباب وشافني واقفة، وشفت باسم وضهره عريان، ملامحه متجمدتش ولا اتفاجئ. بالعكس، عينيه صغرت، ونظرة غريبة مابين الغضب واليأس ظهرت فيهم.
رمى مفاتيحه على الغسالة، وقال بلهجة آمرة
اطلعي بره يا لينا. أنا هكمل غسيله.
قلت وصوتي بيتهز
إيه ده يا أحمد؟ مين اللي عمل فيه كدا؟
قرب خطوة واحدة، فدخل في دايرة الضوء الضعيفة بتاعة الحمام. بص في عيني مباشرة، وبنبرة خالية من أي إحساس قال
قلت لك ميت مرة متدخليش هنا. أنتي اللي صممتي تدوري ورا الوجع، يبقى متعيطيش لما تلاقيه.
بصيت على باسم اللي كان لسه باصص للأرض وساكت، وبعدين بصيت لإيد أحمد اللي كان لسه لابس فيها الدبلة.. الدبلة اللي شايلة نفس الحرفين اللي تحت جروح أخوه. الحرفين اللي كانوا رمز لعهد قديم بينهم، أو يمكن وسم لملكية بشعة.
أحمد مد إيده ومسك كتف أخوه، باسم اتنفض نفضة خفيفة، بس مقاومش. كأنه استسلم لمصير هو عارفه من سنين.
أحمد لف وشي ناحيته بإيده التانية وقال بهمس يرعب
الحكاوي اللي بتندفن يا لينا، بتندفن عشان الكل يعيش. لو نكشتي في الماضي، البيت ده هيقع فوق دماغنا كلنا. البسي طرحتك واطلعي المطبخ.. مسمعش صوتك لحد ما أخلص.
خرجت وأنا حاسة إني ماشية في كابوس. رحت المطبخ، وقفت قدام الكاتل اللي كان برد تماماً. بصيت على إيدي، لقيت لسه فيها أثر من المية اللي كانت على ضهر باسم.
فجأة، سمعت صوت باسم من الحمام.. مكنش صراخ، كان أنين مكتوم، وصوت أحمد وهو بيقول بحدة
اثبت.. مش عايز أسمع صوتك.
في اللحظة دي، فهمت إن الدبلة اللي في إيدي مش رمز حب، دي قيد. وإن السجن اللي باسم عايش فيه مش بسبب المشلول، ده بسبب السر اللي هما الاتنين دافنينه سوا.
سألت نفسي يا ترى مين فيهم الضحية؟ ومين فيهم اللي المفروض أخاف منه بجد؟
فتحت باب الشقة ونزلت السلم وأنا بجري، مكنتش عارفة رايحة فين، بس كنت عارفة حاجة واحدة.. إني لو رجعت البيت ده تاني، هبقى شريكة في كل جرح محفور على ضهر الراجل اللي جوه ده.
إيه اللي ممكن يخلي أخ يعمل في أخوه كدا؟ وإيه الحرفين دول؟
أ و ب.. أحمد وباسم؟ ولا حاجة تانية خالص؟
السؤال ده فضل يطاردني وأنا في وسط الشارع تحت المطر، لحد ما شفت عربية حماتي راجعة.. وقفت مكاني، وبصيت لها وهي نازلة، وشفت في عينيها نفس السكوت المرعب.
البيت ده مش مسكون بالعفاريت.. البيت ده مسكون باللي إحنا بنعمله في بعض.
تفتكر لينا هتقدر تهرب فعلاً، ولا السر هيسحبها هي كمان 
وقفت حماتي قدام باب العمارة، شافتني وأنا بنهج والمطر مغرقني. بصت لي نظرة طويلة، مكنش فيها دهشة، كان فيها تعب قديم، كأنها كانت مستنية اللحظة اللي هعرف فيها كل حاجة.
قربت مني، وحطت إيدها الساقعة على كتفي، وقالت بصوت هادي ومشرخ
شفتي اللي في ضهره يا لينا؟
مقدرتش أرد، كنت بس بترعش. كملت وهي بتبص للفراغ
أحمد مكنش كدا.. وأبوه الله يرحمه مكنش كدا. بس فيه وجع لما بيدخل بيت، بياكل القوي قبل الضعيف. اطلعي يا بنتي، متهربيش.. اللي بيجري من السر بيتكعبل فيه قدام.
طلعت وراها وأنا حاسة إني مسلوبة الإرادة. دخلنا الشقة، كان الحمام هادي. أحمد خرج، كان مشمر كمامه، وبينشف إيده ببرود. بص لأمه، وبعدين بص لي، وقال
عشيتيه يا أمي؟
حماتي ردت وهي بتقلع شالها
هعشيه يا ابني.. ادخل أنت ارتاح.
أحمد دخل أوضتنا وقفل الباب. رحت ورا حماتي المطبخ، كنت عايزة أجبر عينها إنها تبص لي.
الحرفين اللي على ضهره يا ماما.. أ و ب.. دول مش أحمد وباسم صح؟
حماتي وقفت مكانها، وسندت بإيدها على الرخامة، وراسها نزلت لتحت.
لا يا لينا.. دول أمان وبلاء. ده كان رهان قديم بين أحمد وأبوه.. أحمد
تم نسخ الرابط