كشف الماضي حكايات علي ابو الدهب
كان فاكر إنه بيحمي أخوه من قسوة أبوه، فكان بياخد الضرب مكانه، ولما كبروا وباسم غلط غلطة كبيرة في حق أحمد.. أحمد قرر يفكره بالوجع اللي شاله بداله.. بس بطريقته هو.
قلبي وقع في رجلي.
غلطة إيه؟
فتحت درج المطبخ وطلعت صورة قديمة، باهتة ومقطوعة من الأطراف. كانت صورة ل أحمد وهو شاب، واقف جنبه بنت زي القمر، وفي الخلفية كان فيه حد باين نصه بس.. كان باسم.
البنت دي كانت خطيبة أحمد.. وباسم مكنش مجرد أخ، كان هو اللي تسبب في موتها بحادثة عربية وهو سكران.. ومن يومها وأحمد ميت، والحي فيهم هو اللي بيعذب التاني.
دخلت أوضة باسم براحة. كان متغطي، بس عينه كانت مفتوحة وبتلمع في الظلمة.
همس بصوت يدوب مسموع
أنا اللي طلبت منه يكتب الحروف دي يا لينا.. عشان كل ما يحس بالوجع وهو بيغسلني، يفتكر إني لسه بدفع الثمن.
البيت ده مكنش سجن لباسم لوحده.. ده كان سجن لأحمد كمان. واحد مسجون في جسمه، والتاني مسجون في غله.
سمعت صوت باب أوضتنا بيتفتح.. أحمد كان واقف ورايا.
بص لي وقال بكلمة واحدة، لخصت كل حاجة
خلصتي؟
قرب مني، ومسك إيدي اللي فيها الدبلة، وباسها.. بس البوسة كانت باردة، كأنها ختم على عقد ملكية في مملكة من الوجع.
السر مكنش جريمة مستخبية.. السر كان إن الحب لما بيموت، بيتحول ل واجب تقيل، والواجب ده هو اللي كان بيخنقنا كلنا.
بصيت لأحمد، وبعدين لباسم، وفهمت إني من النهاردة، مش هبقى مجرد ممرضة.. أنا بقيت السجانة الجديدة اللي هتحرس سرهم لحد ما الموت يفرج عننا كلنا.
مرت الشهور، والبيت اللي كنت فاكراه مجرد جدران وأربع حيطان، اكتشفت إنه ميزان دقيق أوي، كفتين من الوجع مفيش واحدة فيهم قادرة تطبّ وتخلص التانية.
أحمد مكنش بيكلمني في الموضوع ده تاني، رجع لبروده المعتاد، بس نظراته كانت بتقول أنا عارف إنك عارفة. أما باسم، فبدأ يذبل، كأن السر لما خرج للنور سحب معاه آخر خيط كان ماسكه في الدنيا.
في ليلة من ليالي الشتا اللي صوت الهوا فيها بيصفر في الشبابيك، دخلت أوضة باسم عشان أديله دوا الضغط. كان نايم وظهره للباب، بس المرة دي مكنش فيه غطا على كتافه.
قربت منه، وشفت حاجة خلت دمي يقف.
الحروف اللي كانت تحت كتفه، أ و ب، مكنتش لوحدها. كان فيه شرطة تالتة مرسومة بآلة حادة، لسه لونها أحمر وبتنزف خفيف.. وجنبها حرف جديد.
حرف ل.
وقعت علبة الدوا من إيدي، وباسم لف راسه براحة، عينيه كانت دبلانة بس فيها لمعة غريبة.
أحمد مبيعرفش يسامح يا لينا.. وأنتي دخلتي الدائرة.
لفيت وشي وشفت أحمد واقف عند الباب، كان في إيده موس صغير بتاع حلاقة، وكان بيمسحه بمنديل ورق ببرود مرعب. قرب مني وحط إيده على شعري، وبنفس الصوت الهادي اللي بيخليني أترعش قال
أنا وباسم بقينا واحد يا لينا.. هو الجريمة وأنا العقاب. ودلوقتي أنتي الشاهدة.. والشاهد في عيلتنا، لازم يبقى له نصيب من الحكاية عشان ميمشيش.
بصيت لعينيه، ملقتش فيهم الشخص اللي اتجوزته. لقيت وحش اتغذى على الانتقام سنين لحد ما بقى هو ده كيانه.
حماتي كانت قاعدة في الصالة، بتسبح بسبحتها وصوت طقطقة الخرز كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع. ناديت عليها بصوت مكتوم
يا ماما.. إلحقيني!
مردتش.. فضلت تسبح وتسبح، كأنها اتعودت تشوف السكاكين وهي بتعلم في جلود ولادها، وكأنها قررت تسيب العدل ياخد مجراه، حتى لو كان عدل مشوه.
أحمد قرب من ودني وهمس
ماتخافيش.. الوجع بيخلي الواحد يحس إنه لسه عايش. مش أنتي كنتي بتشتكي من الملل؟ أهو بقى ليكي مكان وسطنا.
في اللحظة دي، فهمت ليه باسم كان بيبص لي بنظرة إشفاق. هو مكنش بيشفق على نفسه، كان بيشفق على الضحية الجديدة اللي هتشيل معاهم شيلة مفيش حد بيخرج منها سليم.
البيت ده مش هيخلص حكايته بموت حد فينا.. الحكاية دي هتفضل تلف، من جرح لجرح، ومن حرف لحرف.
أخدت القميص من على الأرض، ولبسته لباسم، وزررت الزراير واحد ورا التاني، وأنا صوابعي بتلمس حرف ل اللي بقى جزء من تاريخ ضهره.. ومن مستقبلي أنا.
النهاية مكنتش هروب.. النهاية كانت إني قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، ومسكت الفوطة المبلولة، وبدأت أغسل جرح باسم.. وجرحي أنا كمان.